الشيخ محمد رشيد رضا
643
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
أَنْفُسَكُمْ ) أي تنقصونها بعض ما أحل لها من اللذات ، ومثله التخوّن ويفترقان في معنى الصيغة قال الزمخشري في الأساس . وتخوّن فلان حقي إذا تنقصه كأنه خانه شيئا فشيئا ، وكل ما غيّرك عن حالك فقد نحونك ، قال لبيد * تخوّنها نزولي وارتحالي * اه وقال في تفسير الآية من الكشاف وتبعه غيره : معنى الخون النقص كما أن معنى الوفاء التمام ومنه تخونه إذا تنقصه ، ثم استعمل في ضد الأمانة والوفاء ، لأنك إذا خنت الرجل في شيء فقد أدخلت عليه النقصان فيه اه وما قلناه أولا أعم من هذا وأشمل لما ورد من الاستعمال في كلام اللّه وكلام العرب . وقال الراغب الخيانة والنفاق واحد إلا أن الخيانة تقال اعتبارا بالعهد والأمانة ، والنفاق يقال اعتبارا بالدين ، ثم يتداخلان الخ ما قاله وهو يدخل في عموم ما قلناه ولا يصح كونه حدا تاما والمعنى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ تعالى بتعطيل فرائضه أو تعدي حدوده وانتهاك محارمه التي بينها لكم في كتابه وَالرَّسُولَ بالرغبة عن بيانه لكتاب اللّه تعالى إلى أهوائكم ، أو آراء مشايخكم أو آبائكم ، أو المخالفة عن أمره إلى أوامر أمرائكم وترك سنته إلى سنة أوليائكم ، بناء على زعمكم انهم أعلم بمراد اللّه ورسوله منكم وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ أي ولا تخونوا أماناتكم فيما بينكم وبين أولياء أموركم من الشؤون السياسية ولا سيما الحربية وفيما بينكم بعضكم مع بعض من المعاملات المالية وغيرها حتى الاجتماعية والأدبية فقد ورد في الحديث « المجالس بالأمانة » رواه الخطيب من حديث علي وحسنوه وأبو داود عن جابر بزيادة « إلا ثلاثة مجالس : سفك دم حرام أو فرج حرام أو اقتطاع مال بغير حق » وهو حسن أيضا ، وروى أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه والضياء من حديث جابر أيضا « إذا حدث الرجل بحديث ثم التفت فهو أمانة » ورواه أبو يعلى عن أنس ، وأشار في الجامع الصغير إلى صحته . فافشاء السر خيانة محرمة ويكفي في العلم بكونه سرا القرينة القولية كقول محدثك : هل يسمعنا أحد ؟ أو الفعلية كالالتفات لرؤية من عساه يجيء . وآكد أمانات السر وأحقها بالحفظ ما يكون بين الزوجين الخيانة من صفات المنافقين ، والأمانة من صفات المؤمنين ، وقال أنس بن مالك : قلما خطبنا رسول اللّه ( ص ) إلا قال « لا إيمان لمن لا عهد له ، ولا دين